تجاوز إلى المحتوى
drusen-in-deutschland-ev
Back to updates
القمح
Story

يا أهلنا في السويداء، يا أحفاد سلطان باشا الأطرش، يا من رضعتم العزّة مع حليب الأمهات، وصنتم الكرامة بحدّ السيوف وعرق الجباه.

اليوم لا نناديكم لمجرّد الزراعة، بل نناديكم لمعركة البقاء، لمعركة الوجود، لمعركة القرار الحرّ في زمن يُراد لنا فيه أن نجوع كي نركع.

إن الحصار الذي يطوّق مدينتكم وقراكم ليس مجرّد انقطاع طرق أو شحّ موارد، بل هو سلاح غادر يُراد به كسر إرادتكم من بوابة الجوع. يراهنون على أن يفرغ الرغيف من موائدكم، وأن نقف في طوابير الذلّ، نطلب لقمة مغمّسة بالهوان. لكن، هل للجوع أن يكسر شعباً يملك تراباً مقدّساً كتراب السويداء؟ أَيُهزم طودٌ شمخ بالصمود قَبلَ أن ينطقَ بالوجود؟

إن القمح في بلادنا ليس محصولاً زراعياً فحسب؛ القمح هويتنا، وذاكرتنا، ورمز صمودنا. كل حبّة قمح تُزرع اليوم هي رصاصة في صدر الحصار، وكل سنبلة تتمايل مع ريح الجبل هي راية نصر ترفرف عالياً. زراعة القمح تعني أن قرارنا ينبع من رأس فأسنا، لا من يد من يحاصرنا. وعندما نأكل مما نزرع، نتحرر من أبشع أنواع العبودية: عبودية الجوع.

في السويداء تتحوّل الأرض إلى جبهة. الفلّاح الذي يشقّ بطن الأرض ليبذر القمح لا يختلف عن المقاتل الذي يحمي الثغور. القمح هو الذهب الأسمر الذي يمنع عنّا ذلّ السؤال، ويقطع الطريق على كل من يريد مقايضة رغيفنا بمواقفنا وكرامتنا. إنهم يريدوننا أيدي ممدودة، لكن قمح الجبل يقول: لا.

أرض السويداء البركانية السوداء ليست صخوراً صمّاء، بل مخازن خيرات تنتظر من يوقظها. هي عهدٌ بيننا وبين أجدادنا الذين لم يتركوا شبراً إلا وزرعوه، ليبقى الجبل عصيّاً على الانكسار. تذكّروا كيف عاشوا سنين العجاف، كيف واجهوا العثمانيين والفرنسيين ولم يركعوا، لأن المؤونة كانت في “الكوارة”. واليوم، يجب أن تمتلئ كوارة السويداء من جديد، لتكون حصننا الحصين.

رؤية حقول القمح وهي تخضرّ حول البيوت ليست مشهداً زراعياً فقط؛ إنها طمأنينة لا تُقدّر بثمن، إعلان سيادة على الأرض، ورسالة للأبناء بأن غدهم مؤمَّن، ورسالة للعدو بأن حصاره زبدٌ يذهب جفاء، وأن إرادة الحياة لا تُقهر.

ولكي ننتصر في معركة القمح، لا بدّ من تكاتف شعبي عملي، من ثورة الحواكير والحدائق المنزلية. لا تتركوا متراً واحداً حول بيوتكم دون زراعة. القمح ينمو في المساحات الصغيرة بجهد عائلي بسيط. ليكن كل بيت في السويداء صومعة غذاء، وكل فناء خط دفاع، وكل حديقة سلاح صامت في وجه الحصار. فمن يدٍ تزرعُ وتحصد، تولدُ إرادةٌ لا تُهزم وقرارٌ لا يُكسر.

في زمن الحصار تذوب الفردية. يجب إنشاء صناديق تعاضد لتبادل البذور، وتأمين الوقود والمعدّات بشكل جماعي. اليد الواحدة لا تصفّق، لكن سواعد أهل الجبل معاً تحوّل الصخر إلى خبز. وبما أن الموارد محدودة، لا بدّ من العودة إلى حفر الآبار المنزلية، وتجميع مياه الأمطار، واستخدام تقنيات الريّ بالتنقيط، لضمان استمرار المحصول مهما اشتدّت الظروف.

احفظوا البذور المحلية القوية، المتجذّرة في تربة الجبل، ولا تفرّطوا بها. فاستدامة القمح هي استدامة الوجود، وضمانة أن تبقى السويداء واقفة مهما طال أمد الحصار.

يا أبناء السويداء، بإمكاننا أن نحوّل جبالنا السوداء إلى مروج ذهبية. كل فلّاح يغرس بذرة هو بطل قومي، وكل امرأة تشارك في الحصاد هي حارسة للوجود. نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن ننتظر رحمة من يحاصرنا، أو أن نستنطق الأرض فتعطينا سرّ الحياة. ونحن اخترنا الأرض.

ازرعوا القمح في السهول، في الوديان، وعلى التلال. اجعلوا السويداء قلعة خضراء لا تُخترق.

فالقمح ليس طعاماً فقط؛ إنه صرخة حرية، وصلاة شكر، وعهد لا خيانة فيه.

ليكن شعارنا:

“يدنا تزرعُ الحرية، وقرارنا لا يعرف التبعية”.

عاشت السويداء، وعاشت سنابلها مناراتٍ للكرامة في زمن الحصار.

جمعية الدروز في ألمانيا

الدكتور صقر صلاح